Anyone’s Cactus? Karim Abu Shakra, Fouad Agbaria, Amit Cabessa:

Zuzu Gallery, Emek Hefer Industrial Park, November 2021

خِطاب الصبّار

يجمع معرض “خِطاب الصبّار” أعمال ثلاثة فنّانين من أبناء هذه البلاد، يتناولون، بشكل مباشر أو غير مباشر، نمط مناظر وطنهم. يركّز ثلاثتهم على رسم البورتريهات والمناظر الطبيعيّة المحليّة، وبواسطتها يطرحون الأسئلة حول الهويّة الشخصية والجماعيّة. يحضر المكان والزمان في أعمالهم بشكل ساطع. كيلومترًا ونصف يفصلان بين أم الفحم، بلد كريم أبو شقرة وفؤاد اغبارية، عربيان فلسطينيان يعيشان في إسرائيل، وبين كيبوتس مغال، حيث يسكن عميت كبسة. مسافة قصيرة، ومع ذلك كل مكان هو عالم كامل بحد ذاته. مصائر ثلاثتهم متشابكة ببعضها، اللغة (البصريّة أيضًا) متشابهة، المضامين متداخلة. كثيرًا ما نجد لدى ثلاثتهم البورتريه الذاتي وبجانبه نبتة الصبّار. تظهر نبتة الصبّار لديهم أحيانًا مستقلة قائمة بحد ذاتها، نوعًا ما بورتريه الصبّار. ارتباطهم العميق بنبتة الصبّار، الحاضرة بشكل عيّني ورمزيّ في المناظر الطبيعية لطفولتهم وكبرهم، تحوّلها إلى عامل يربط ويفصل بينهم.

ترتبط نبتة الصبّار رباطًا وثيقًا بالروح الجماعية لدي الشعبين الفلسطينيّ والإسرائيليّ. فمن ناحية، تشير كلمة “صبّار” إلى اليهودي “الجديد”، نتاج المشروع الصهيوني، تشبيهًا بالقشرة الشوكية الخشنة لتلك الثمرة الملوّنة حلوة المذاق. يصف “الصبّار” الإسرائيلي على أنه “شوكي من الخارج / حلو من الداخل”؛ من الناحية الثانية، ترمز جذور الصبّار القويّة، في المناظر الطبيعية للبلاد بنظر الشعب الفلسطيني، إلى التمسك بالأرض، إلى “الصمود”. النمو المتكرر للصبّار في أرض البلاد، حتى في أصعب الظروف، هو إشارة وتذكير بالقرى الفلسطينية التي تم محوها من على وجه الأرض. وفي اللّغة العربيّة تحمل النبتة مفهوم الصبر، التحمّل والمثابرة.

في هذا السياق، يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن الشاعر الإسرائيلي يهودا عميحاي: “هو يكتب عن المكان نفسه. يستخدام المناظر الطبيعيّة والتاريخ لفائدته الشخصية من خلال استخدام هويّتي المهدومة. ثمّة تنافس بيننا: من هو صاحب اللّغة على هذه الأرض؟ من يحبها أكثر؟ من يكتب عنها أفضل”[1]. أسعى في هذا المعرض لطرح إمكانية للتفكير بتعقيدات حياة أبناء الشعوب المختلفة في الحيّز المادي المشترك، بواسطة ثلاثة فنّانين يستكشفون أنفسهم في سياق نبتة محلية واحدة (نبتة غريبة ومثرة للفضول بحد ذاتها).

وهم يقومون بذلك من خلال منظور مشترك، بواسطة التمعن من الداخل إلى الخارج ومن الخارج إلى الداخل، بانزلاق ثنائي الاتجاه من البورتريه إلى المناظر الطبيعية ومنها إلى البورتريه، بتقلب متكرر بين الشائك والحلو، الملتصق والمنفصل. نظراتهم الاستكشافية ليست بحاجة إلى وساطة الكلمات أو المفاهيم، بل تُنقل عبر حركة الفرشاة، هادئة أحيانًا ودقيقة، أو هائجة وطائشة أحيانًا أخرى. الفرشاة، كأداة توسّع بيد الفنّان، تتنقل بحركة خفيفة على القماش، كالأفكار على وجه الأرض.

كريم أبو شقرة (مواليد 1982، يعيش ويعمل في أم الفحم)

الحيوان والنبات في الكثير من أعمل كريم أبو شقرة، تكشف عينيه الحادة، الحسّاسة لبيئته الطبيعية القريبة. تُعرض لوحاتها في هذه المعرض بمجموعة مضغوطة، في سربين كثيفين يجمعان الصوّر الفرديّة على شكل “قطيع”. في مركز اللّوحة تتموضع غالبًا صورة واحدة، تشخيصيّة “وُضعت” على ظهر خلفية تجريدية بمظهر مُخملي ناعم. تُبرز هذه الخلفية الصورة، لكنها تشحنها أيضًا ببعد من الحضور الشعري، الذي يتجاوز سياقات المنظر الطبيعيّ أو المكان العينيّ.

إلى جانب الأعشاب والتوابل، الطيور وأزهار قرن الغزال، يبرز موتيف واحد متكرر في أعمال أبو شقرة: نبتة الصبّار – الصورة الرئيسية في الثقافة الفلسطينية منذ بدايتها. الصبّار لدى أبو شقرة هو نقطة انطلاق لمناقشة مسائل وجوديّة، شخصيّة وحميميّة، وقضايا قوميّة ذات ثقل. ثمّة حوار فنّيّ غزير يجري بينه وبين المرحوم عاصم أبو شقرة (1961-1990) ابن عمه، الذي تظهر نبتة الصبّار داخل أصيص في معظم أعماله. يقول كريم أبو شقرة أنه في بداية مشاوره الفنّيّ رسم الصبّار تكريمًا لابن عمه عاصم، وأن أعمال ابن عمه هي مصدر الهام وفخر له.

مع الوقت، أزاح كريم، كما يقول، ذلك التصوير المشحون، إلى عوالم أخرى، وحوّله “مُلكًا” له أيضًا. فبواسطة نبتة الصبّار يطرح أسئلة حول البقاء، الاستمرارية وتقرير المصير في بيئة صعبة، فيها الكثير من التحديات. يرسم أبو شقرة الصبّار أحيانًا كشيء منفصل، وأحيانًا كجزء من منظر طبيعيّ؛ أحيانًا بأسلوب واقعيّ وأحيانًا تجريديّ. أحيانًا في أرض باحة البيت، وأحيانًا في أصيص داخل البيت. نبتة الصبار صغيرة متواضعة أو كبيرة، بريّة جبّارة. يبدو أن صبّار كريم أبو شقرة تحوّل مع الوقت إلى نوع من الركيزة ينبثق منها طيف لا نهائيّ من الأمزجة، الأفكار والأحاسيس. بنظره، فهذه صورة تبلورت مع الوقت في البيت، وبواسطتها يتواصل، ليس فقط مع جذوره العائليّة والقوميّة، بل مع روحه كإنسان وكرسّام.

عميت كبسة (مواليد 1977، يعيش ويعمل في كيبوتس مغال)

في سلسلة رسومات عميت كبسة من العام 2010، هناك عنصران يتكرران مجدولان ببعضهما بأشكال مختلفة: البورتريه الذاتي للفنّان وجدار شجيرات الصبّار الشائكة. الخلفية ثابتة – البيئة السكنية لكبسة – كيبوتس مغال شمال السامرة. بنظرة زمنية إلى الوراء يعرّف كبسة تلك اللوحات بأنها “بورتريهات ذاتية تُنذر بلبلة الهويّة”.

الجدران الأربعة المحيطة بكيبوتس مغال (!) تظهر كثيرًا في لوحات كبسة، وتشكل بالنسبة له رموزًا من الحماية والاختناق في الوقت نفسه. تتشابك شجيّرات الصبّار بالشباك المعدني، نسيج غريب غير اعتياديّ، يشكّل شبكة معدنية من صنع يد الإنسان والنبات البري، فجّة واندفاعية. الحديد والصبّار معًا يؤشران من ناحية حدود الأرض، الردع والسيطرة، وفي المقابل فهما يرمزان إلى الاندفاع غير المنضبط للطبيعة والغريزة، الرافض لكل مؤشرات السجن أو التدجين. علاوة على القيود المجازية التي يمثلها الجدار كعنصر تصويري مُتكرر في لوحات كبسة، فهو يجمع التكوين التصويري ليشكّل منظومة سيطرة وضبط داخل اللوحة. كما يشكّل في العديد من لوحاته عائق حقيقيّ أمام نظرات المشاهد المُحدّقة.

يدرك كبسة الاستخدام السياسيّ لنبتة الصبّار في الخطابين الفلسطينيّ والإسرائيليّ على حد سواء، لكنه يحاول النأي بنفسه عن هذه السياقات. “يهمني نأي الصبّار عن المفاهيم الشائعة، القوميّة والسياسيّة، ووضعه في سياق آخر، جديد، غير مُجنّد. بالنسبة لي، الحديث هو عن شيء مثير على مستوى الرسم والنحت، يهمني الضوء الساقط بشكل مختلف على كل ورقة، ومادية ذلك، دون الانشغال بالشحنة الثقافيّة والسياسيّة المحمّلة عليه. أتعامل مع بنيته الطوبوغرافية، وهيكليته. في نهاية المطاف، يقف أمام الصبّار شخص وخزته أشواك الصبّار حائرّا مسكينًا. أرسم نفسي بجانب الصبّار، خلفه وأمامه وعلى رأسي قلنوسة كبيرة، قد تكون قلنسوة لشخص مسلم، درزيّ أو يهوديّ. إنها قلنسوة مجهولة الانتماء”[2]. ثمّة محاولة في لوحات كبسة لطمس الرمزيّة التاريخيّة والسياسيّة للصبّار، وتحويله إلى نمط عينيّ من المناظر الطبيعيّة، لكن لكونه مصهور في شخصية الفنّان، فهي مشحون بمفاهيم ثقيلة الوزن – مغروس في لحمه وهويّته ومصيره.

  

فؤاد أغبارية (مواليد 1981، من قرية مصمص، يعيش ويعمل في أم الفحم)

تقع أعمال فؤاد أغبارية في الحيّز ما بين الشخصيّ والاجتماعيّ السياسيّ. وهو يشارك في هذا المعرض بمجموعة أعمال من ثلاث سلسات رئيسية له: سجاد، بورتريهات، الصبّار.

السجاد هو رمز للبيت، للفضاء الأسريّ الخاص بالرسّام، وهي تمثل الهويّه الحميميّة الأكثر أصالة كإنسان. وفي الوقت نفسه، السجاد هي رمز لعالم أغبارية الروحيّ والثقافيّ، حيث يحيل إلى سجادة صلاة الإنسان المسلم المؤمن وإلى تقاليد الفن الإسلاميّ الزاخرة بالزخرفة والزينة. على ظهر لوحة الرسم، التي تحاكي السجاد الناعم المشحون، “مطبوعة” صورة وحيدة، تشخيصية، تبدو مبتذلة، من الحياة اليومية للمواطن العربي الفلسطيني/الإسرائيلي في البلاد. الأغراض المختلفة، وبعضها مشحون بشدة من الناحية السياسية (دبابة، طائرة حربيّة، كومة من إطارات السيارات السوداء) بارزة بغرابتها على خلفية النماذج المتكررة والزخرفيّة للنسيج الملوّن. هذا الربط غير المتوقع بينها يثير سلسلة من التناقضات: بين الداخل والخارج، بين التأملي والفعل، بين التقاليد والتقدّم، بين الشخصيّ والجماعيّ.

يذكّر الفنّان الصبّار من طفولته في قرية مصمص التي ترعرع فيها. ويقول أن أبرز ميزة للصبّار كونّه لا يفنى، فحتى نبتّة الصبّار التي تموت قد تلد صبّارًا حيّا. “إنه رمز البقاء! حتى في المطارح التي خلَت من أهلها وفي القرى المُهجّرة ظلّ الصبّار صامدًا كمَعْلَمٍ راسخٍ في المشهد، ليشهدَ على وجود من كانوا، ويقف بقامته الشائكة كناطورٍ […] رسمتُهُ حائطًا أو جداريّةً شائكة، ولكنّي لم أنسَ إثقالَه بالثمار التي تنضوي على ذاكرة حلوة المذاق. […] أخذت الصبّار من منظور التفسّخ، كدلالةٍ على تفسّخ المجتمع العربي الفلسطيني […] في أعمالٍ أخرى تظهر معاناتي العميقة النابعة من أزمة المكانة والهوية في إسرائيل […] في أعمالي الجديدة أجنحُ إلى التعبير عن مَواطِن وأبعادِ المُعاناة التي أعايشها، بما في ذلك البُعد الجمعيّ، مع نقدٍ ذاتي قدر الإمكان، حتى يكون اشتغالي الفني وثيق الصّلة بمجتمعي وقضاياه، بمُجمل حمولتها”[3] .وحول رسم البورتريه يقول أغبارية: “اللغة البصريّة التي أعبّر فيها عن ذاتي المرهونة بالذاكرة هي في الواقع لغةٌ أكتب بواسطتها – وعلى طريقتي- مُذكّراتي، لينتصب البورتريه الذاتي مشبوحًا على حائط الحاضر كشاهدٍ على زمنٍ مضى”[4].

نيطاع چال عتسمون، أمينة المعرض

[1] مقتبس لدى: يارون عوڤاديا، “قطعة الأرض القريبة من السماء سقطت”، عيت-مول 250، أنظروا: https://www.ybz.org.il/_Uploads/dbsArticles/ovadya.pdf

[2] من محادثة مع القيّمة تحضيرًا للمعرض.

[3] من كتالوج المعرض: “فؤاد أغبارية، خرائط الذاكرة”، صالة العرض للفنون أم الفحم، القيّمة: ڤردة شتاينلاوف، 2018، ص 47-51.

[4] المصدر السابق.

مشروع مميز - جدار فنان

Iam the sabra – Sobhyiya Hasan Qais

I paint on canvas. I gather patches of color into a self-portrait clutching a sabra plant that I’ve uprooted from the soil in which it grew. In my painting, you see me cutting down the plant, sealing it in a jar, and then trying to release it back.
The sabra symbolizes the Palestinian Arab who clings tenaciously to his land. Despite all his ordeals, he holds on and keeps living. In my work, the sabra suffocates in a jar; it cannot breathe. It’s lonely and wounded. The voices of silence cry out, and then it rebels, erupts, exhales, and flys.
I live under double occupation: as an Arab Palestinian artist who lives in Israel and again as a woman who lives in a patriarchical society. That’s why I appropriated the sabra: it’s different from what it means in Israeli culture and from its former representations in Palestinian art.
My identity, which relates to who I am, my thoughts and memories, and the values by which I live, is an identity that’s rooted in time and location. By using the image of the sabra that has been detached from its land, I express my complex identity. I am the sabra.

أنا الصبّار – صبحية حسن قيس

أرسم البقع على القماش. تتوسع البقع على شكل شخصيتي، التي تمسك بالصبّار. فصلت الصبّار عن التربة التي ينمو فيها. في اللوحة أظهر وأنا أقطع الصبّار، أغلفه في المرطبان، ثم أحاول إعادة إنقاذه.

الصبّار هو رمز للعربي الفلسطيني الذي يتمسك بأرضه. ورغم كل ما مر ويمر عليه فهو صامد يواصل الحياة. الصبّار في عملي مختنق داخل مرطبان، غير قادر على التنفس، وحيد وجريح. أصوات الصمت تصرخ، وهو يتمرد، ينهض، يتنفس ويُحلّق.

أنا تحت احتلال مزدوج؛ كفنّانة عربية فلسطينية تعيش في دولة إسرائيل وكإمرأة تعيش في مجتمع أبوي. لذلك، فأنا استملك الصبّار، الذي يختلف عن مفهومه العبري الإسرائيلي ويختلف عن تمثيلاته السابقة في الفن الفلسطيني.

هويّتي، التي ترتبط بمن أكون، وبأفكاري وذكرياتي، والقيم التي أؤمن بها، هي هويّتي المتجذرة في الزمان والمكان. عن طريق صورة الصبّار المعزول عن تربته، أجد التعبير عن هويّتي المعقدة. أنا الصبّار.